الراغب الأصفهاني
364
الذريعة إلى مكارم الشريعة
فضيلة المحبة أحد أسباب نظام أمور الناس المحبة ثم العدل ، ولو تحاب الناس وتعاملوا بالمحبة لاستغنوا بها عن العدل فقد قيل : العدل خليفة المحبة يستعمل حيث لا توجد المحبة ، ولذلك عظم اللّه تعالى المنة بإيقاع المحبة بين أهل الملة فقال تعالى : وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ « 1 » وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا « 2 » أي محبة في القلوب تنبيها أن ذلك أجلب للعقائد وهو أفضل من المهابة فإن المهابة تنفر والمحبة تؤلف ، وقد قيل : طاعة المحبة أفضل من طاعة الرهبة فإن طاعة المحبة من داخل وطاعة الرهبة من خارج ، وهي تزول بزوال سببها ، وكل قوم إذا تحابوا تواصلوا وإذا تواصلوا تعاونوا وإذا تعاونوا عملوا وإذا عملوا عمروا وإذا عمروا عمروا « 3 » ، ولفضل وقوع المحبة شرعا شرع اللّه تعالى اجتماع أهل الملة الواحدة في مساجدهم كل يوم خمس مرات لإقامة صلاتهم ، واجتماع أهل البلد الواحد كل أسبوع مرة في الجامع ، واجتماع أهل المدينة وأهل السواد كل سنة مرتين في الجبانة ، واجتماع أهل البلدان النائية في العمر مرة بمكة كل ذلك ليتأكد باجتماعهم الأنس وليقع بسبب ذلك الود .
--> ( 1 ) الأنفال / 63 . ( 2 ) مريم / 96 . ( 3 ) أي إذا نشروا العمران طال عمرهم .